سميح دغيم

119

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

إنسانيّة - إنّا نعلم بالضرورة أنّ أشخاص الناس مشتركة في مفهوم الإنسانيّة ومتباينة بخصوصياتها وتعيّناتها ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة ، وهذا يقتضي أن يقال الإنسانيّة من حيث هي إنسانيّة مجرّد عن الشكل المعيّن ، فالإنسانيّة من حيث هي هي معقول مجرّد ، فقد أخرج البحث والتفتيش عن المحسوس ما هو معقول مجرّد . ( أس ، 8 ، 6 ) - إنّ القدر المشترك من الإنسانية بين الأشخاص الخارجية موجود في الخارج لأن هذا الإنسان عبارة عن الإنسان المقيّد بقيد إنّه هذا ، ومتى كان المركّب موجودا كانت بسائطه أيضا موجودة . فالإنسان من هو حيث هو إنسان لا بشرط شيء موجود ، لكن الإنسان لا بشرط شيء غير محسوس فإنه ما لم يتقيّد بالقيود الجزئية المشخّصة لا يصير محسوسا . ( ش 1 ، 190 ، 31 ) - لمّا بيّن ( ابن سينا ) أنّ معنى الإنسانيّة مغاير للطول المخصوص والشكل المخصوص واللون المخصوص ، ذكر ما هو السبب لحصول هذه الأحوال المختلفة مع الإنسانيّة . وذلك السبب : هو المادة . ولقائل أن يقول : تعليل هذه الأعراض المختلفة بالمادة باطل . ويدلّ عليه وجهان : الأول : إنّ مادة النفس الإنسانيّة ليس إلّا الجسم . ولا شكّ أنّ طبيعة الجسميّة معنى واحد . فلو كان الموجب لهذه الصفات هو الجسميّة ، ثم إنّ الجسمية معنى واحد في الكل ، لزم استواء جميع الأبدان في جميع هذه الصفات . وذلك محال . الثاني : هو أنّ الاختلاف في هذه الصفات لو كان لأجل المادّة ، فالاختلاف في المواد إن كان لأجل الاختلاف في الصفات ، لزم الدور . وإن كان لاختلاف مواد تلك المواد ، لزم التسلسل . وهو محال . الثالث : إنّه لو كان حصول هذه الصفات لأجل المادة ، لدامت هذه الصفات بدوام المادة التي هي الجسميّة . وذلك محال . الرابع : إنّ المادة قابلة . والقابل لا يكون عندهم مؤثّرا ، فيمتنع أن تكون حصول هذه الأحوال مختلفة لأجل المادة . بل السبب في حصول هذه الأحوال المختلفة : إنّ كل صفة حصلت في مادّة ، فقد كانت المادة قبل تلك الصفة موصوفة بصفة أخرى ، وتلك الصفة السابقة أعدّت المادة لقبول الصفة اللاحقة . ( شر 2 ، 277 ، 1 ) - اعلم : أنّ معنى الإنسانيّة حاصل في الأشخاص الكثيرة . ومعنى الإنسانيّة حاصل أيضا في هذا الشخص الواحد . فثبت أنّه لو حصل مسمّى الإنسانيّة في الكثرة منفكّة عن الوحدة وفي الواحد منفكّا عن الكثرة ، علمنا أنّ معنى الإنسانيّة مغاير لمعنى الوحدة والكثرة ، وغير مستلزم من حيث أنّه هو الوحدة بعينها أو الكثرة بعينها بالإنسانيّة من حيث أنّها إنسانيّة . فإذا قيل : الإنسانيّة من حيث هي هي واحدة أو كثرة ؟ قلنا : إن أردت بها أنّ مفهوم كونها إنسانيّة هو نفس مفهوم الكثرة أو الوحدة . فنقول : ذلك المفهوم مغاير لهذين المفهومين ، فيكون ذلك المفهوم من حيث أنّه لا واحد ولا كثير . وإن أردت به ذلك المفهوم وهو هل ينفكّ عن الوحدة أو الكثرة ؟ فنقول : ذلك محال ، بل لا بدّ وأن يحصل معه إمّا الوحدة وإمّا الكثرة ، فيكون انضياف كل واحد من هذين